Menu

محطم يرق له الحجر والشجر، وقليل من البشر.

الخميس، 20 أكتوبر 2016

الزئبقية!

على كرسيّ الوثير جلست، ومن أمامي جلست عيني، كي نحدق سويا في هاتفي الجوال، لنراقب طيف عابر! عنيد كأنه الصخور في صلابته، يناطح السحب البيضاء المسالمة، ويغدق على رأس الشمس الماء البارد، ويلقم القمر حجراً، ثم يبتسم وحده، وأنا من خلفه اتسائل لماذا؟!

طيف يصعب تفسيره! وإن تعمقت في المعنى أكثر لقلت يصعب اخضاعه لما لا يريد أن يكونه، فقط لأنه غير قادر على قبول الهزيمة ولو فيها نجاته! 

فقديمًا كنت اظن أن الهزيمة هي الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، أو الإنتصار عليها في الوقت الراهن! ولم أكن أدرك أبداً أن العند بات يشكّل هو الآخر وجه من وجوه الهزيمة، وإن بدى في ظاهره منتصرًا. 
يأتي العند دوما وهو منتشي على فرسه الأشهب بثوب محارب من المحاربين القدامى ذوي السيط الواسع والكفاءة العالية، يجعل صاحبه عند لقاءه أصم أبكم قبل أن يطالبه بالنصر المؤزر ولو فيه هلاكه! يأمره أن يقاتل بكل ما أوتي من قوة، فيصب غضبه على كل من تحصّن بلأمة حرب، أو براية سلام، يقاتل بجسارة مفرطة دون اصغاء لصيحات الثكالى أو نظرة فيها شفقة على حال من يُسحقون اسفل حدوة حوافر الاشهب الجامح ذاك الفرس اللعين الأبعد، الذي لا يرحم أحدًا حتى ولو كان الواقف أمامه حامل قلبه على يمينه مغلفا برقعة بيضاء ناصعة تمثل الطهر والعفة. 

دوما ما يردد المعاند ينبغي الانتصار ظالما أو مظلوما ! ينبغي عدم اخضاعي لأي حقيقة مجردة توقف زحفي؛ النصر حليفي وأنا حتما المنصور على كل من سوّلت له نفسه تذكيري بخطئي! إلى أن تأخذه الحمية بالإنجراف أكثر فأكثر نحو الهاوية بعزيمة مفرطة! 

وهنا يكمن خطر هذا النوع من الجنون، إنه جنون العظمة الذي لا يأتي بعده سوى الإنكسارات المزمنة.

العند يقتل صاحبه بعد أن ينتهي من تفريغه من مضمون المصداقية! فأحذروه...

والآن سأقص عليكم قصة الزئبقية العنيدة المتمردة الثائرة المُسكرة الغير قابل قلبها على الصدع بالحب في العلن! يتملكها شعور مخيف، كلما خطى قلبها نحو الحب، وعزف ايقاع مختلف لم تعهده بعد! إذ هي تعيش حياة هادئة مستقرة، والحب يبشرها بأمواج عاتية وتقلبات مناخية قد تصيب صحتها بالتوعك، فيقعدها في الفراش مريضة، إذ لا دواء للوعة العاشق إلا المزيد من احتسائه، مثل قهوة كلما ابتعدت عنها تصدعت راسك وتفتت، وبدى لك اليوم ثقيلاً جداً كأنك تحمل على عاتقيك حطام بيت متهدم، وثوب على جسدك يكسوه الغبار...

تمادت في طي قلبي، وذهبت معها حيث لا أدري أين ستأخذني، غادرت صدري وأنا خلفها مقيد بالسلاسل مأسورا، غير قادر على الحركة إلا من خلال السير على خطاها، أقاطرة أنتِ كي تصنعي لنفسك قضيبا لا ينبغي الخروج  عليه؟! وإن كان ذلك كذلك! فما الذنب الذي اقترفته أنا حتى أكون عربة من خلفك أتتبع أثرك؟! ملازم قدرك!  حتى يكتمل القطار ويصبح جذابًا أمام كل عين تراه! هكذا كانت على كل حال تفعل بي بكل وقاحة! كنت مبتسمًا برغم كل شيء! إذ كنت اراها، وهذا كافي لإسعادي! حتى ولو كان الغضب يملأ عيني وعينها أحيانا، فرؤياها وإن كانت لا تحمل في صدرها البهجة المعتادة فهو خير من انعدام المشهد عن عيني بالكلية، السماء لو خلت من البدر تصّبرنا بتأمل الهلال على أمل قريب ان يبلغ مبلغ الاكتمال، خير من أن تظل السماء داكنة خالية من كل أمل يجعل اعيننا تراقب وتحاذر. 

أعود لأسير خلفها ومشيتي لا تخطئ مشيتها، أناديها بإسمها فترمقني بنظرة وردية حادة (نارية)! لا تتعجبوا من صنيعي، إذ يؤلمكم استسلامي، والسير الغير إرادي من خلفها يصيبكم بالإشمئزاز، ويجعلكم تقولون أين تمردك يا رجل؟! لماذا لا تعلن الثورة؟! وتسقط حكمها القهري المدمر لجنسنا المشّرف!والذي من خلالك سيُغمس في الطين، ونصبح اضحوكة مفاليس أمامهن...

مؤلم جدًا أن تجدك منبوذا من جنسك لما يسمونه ضعفك والافراط في اذلال نفسك، إنهم يظنون ان النساء سواء، لا يدركون ان النظر للنجوم من على سطح كوكبنا يظهر لنا النجوم متساوين في الحجم والهيئة، وهذا لأننا لم نقترب لنشاهد بشكل جدي، أو لم نهتم لنذهب لمرصد ما لنرى الأمور على حقيقتها عن قرب، شيئا فشيئا ستتضح لنا الرؤيا أكثر فأكثر، إن ما نراه ونحن جالسين خلف نوافذنا الحاضنة الهواء الطلق ما هو إلا نقاط ضوء بيضاء لامعة، معلقة في عنق السماء كالمصابيح، لذا نغفل الحقيقة بأن كل نجم من هؤلاء له حجم وهيئة تختلف عن الآخر، إن اصابع اليد يجتمعن تحت جمع اسم اصبع لكن لكل منهم  حجمه واسمه، وكذلك البشر نتشابه في الشكل واحيانا في اللون وربما في الثوب كالجنود وعمال المصانع، ولكن هذا كله تشابه خارجي، تشابه نوعي، لكن الغوص في كل واحد منّا يختلف تماما عن الآخر، كإختلاف السماء والأرض؛ فلا تلوموني إذ هوى القلب بدرا، لا تظنوا اني اعني  جمال حدقة عينيها من حيث السعة، او انفها من حيث بروزه، أو قوامها من حيث الطول او القصر او الرشاقة، أو لون بشرتها؛ كل هذا جميل ان تجده، لكن هذا الكل خبير به وقدمه على ما سواه، وهذا لانه يرى الانثى متعة جسدية لا اكثر من ذلك، لذا يحب ان يتملك جارية فاتنة تلهب حواسه، إذ لا يود رؤياها إلا وهي على الفراش، أو طاهية طعام، وما سوى ذالك فهو الغائب.

بادلتها النظرات علها تضحك، كم تمنيت ان تصل ضحكاتها إلى جيرانها، وأن تقرع غرفتها اجراس سعادتها بشكل جارف، هذا لا يعني انها امرأة بائسة حزينة، لا ليس كذلك، بل هي مبتسمة دوما، وإن كانت ابتسامتها ليست حاضرة أمامي على وجه الخصوص، لا تسألوني عن السبب، فالسبب تحتفظ به هي في اعماقها، وتضع  مفتاح البئر السحيق هذا على صدرها، معلق كقلادة مخافة أن احتال عليها واسرقه، حريصة هي عليه أكثر من حرصها على تناول وجبة الغداء الشهية، 


هي أمرأة محفوفة بالأسرار، تجيبك من خلف ستار، لا تدري اوَ ما تقوله صواب أم ضرب سراب! .. لا تتعجب! فهى أنثى تجيد حياكة الواقع بالخيال، وترسم لك لوحة دون الوان، ثم تقول لك خذ لوّنها أنت؟! وانت قد لا تعرف كيف ومن اين تمسك الفرشاة، هي تود ان تراك تفسد شيئا لتنعتك بالحمق، وتجد لها عذرا لتمضي، محتالة جدا، وحيلتها لا تغفل عني...

وقفت يومًا في محطة ما، حتى تستريح، بعد ان عجزت ساقيها عن استكمال العَدو، حتى انني ظننتها بطلة اولمبية، إذ قلبي يشكوني، وهو من هو! هو الذي احبها وارتضاها له معشوقة، قائلا على رسلك يا رجل قطعت انفاسي، فأجبته ضاحكا وعلى وجهي اثار الجهد، ومن قال لك أن تحب انثى عدّاءة، تجيد الهرولة في خط مستقيم بشكل لا يتصوره عقل، لو اني كنت ابيها لسميتها الزئبقية.

ليست زئبقية في العَدو فحسب، لا، بل في الإختباء أيضا، أممم بل في شتى الأمور كلها، لا يقوى احد على حبسها في مكان واحد، كأنها ولدت من رحم فراشة، كثيرة التنقل والترحال، والعجيب انها تحظى بطغيان انثوي رهيب، إذ لا تنزل في مكان حتى تشعل في القلوب لهيب يلتهم اثار كل انثى حطت ركابها في ذات المكان يوما ما قبلها، أنها قاتلة محترفة في سفك نبضك بعد نحر عقلك بجاذبيتها الاحتيالية، انثى تملك مفاتيحك، عجيب جدا، ان تجالس مثل تلك الأنثى وتخرج سليما معافى كما دخلت، اظن ان المعجزات التي ذهبت عن العالم مذ موت الانبياء، تتجلى فيها، وإلا ما كانت حاضرة على هذا الكوكب، انها تتلاعب بتوازن الارض ومن عليها، وإذا ما حدثتها برفق وليونة على ان تكف عن بعثرة حروفها الممزوجة بماء شفتيها المُسكرة، ضحكت! ثم قالت دعك عني... 


فأنا اليوم سماء ماطرة، اكتب لنفسي، واحلق حيث أرى سحب من حولي وطيور تغني. 

كيف تكتب لنفسها ومن حولها قلوب تهذي؟! أوَليس من الحكمة حماية صغار العقول من السقوط في الهاوية؟ مجنونة هي! إي وربي، وهي تعرف ذلك! وعند سماعها لتلك اللفظة تضحك!! ثم تتبع ضحكاتها الممتلئة بالجموح بكلمة اعرف!


لا يظن ظان أنها متحجرة القلب، لا.. لا.. هي فقط تجيد الاختباء، والتقوقع داخلها واثبات لك موقف غير الذي تتخذه، وتظهر لك أشياء تلهيك عما كنت أتي من اجله. 
ــ باختصار هي زئبقية محترفة في فن التلاشي!


ولازالت القصة مستمرة
لم يوضع لها نهاية بعد...

الـ محطم
@mo7tm

شارك:

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر قراءة

المشاركات الأخيرة

تصنيف المشاركات

Unordered List

Text Widget

Mo7Tm © محطم